ابن الأثير

518

الكامل في التاريخ

ينتظر الخيل اجتمع إليه الناس وفيهم عروة ، فأقبل على ابن زياد يعظه ، وكان ممّا قال له : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ « 1 » . فلمّا قال ذلك ظنّ ابن زياد أنّه لم يقل ذلك إلّا ومعه جماعة ، فقام وركب وترك رهانه . فقيل لعروة : ليقتلنّك ! فاختفى ، فطلبه ابن زياد فهرب وأتى الكوفة ، فأخذ وقدم به على ابن زياد ، فقطع يديه ورجليه وقتله ، وقتل ابنته . وأمّا أخوه أبو بلال مرداس فكان عابدا مجتهدا عظيم القدر في الخوارج ، وشهد صفّين مع عليّ فأنكر التحكيم ، وشهد النهروان مع الخوارج ، وكانت الخوارج كلّها تتولاه ، ورأى على ابن عامر قباء أنكره فقال : هذا لباس الفسّاق ! فقال أبو بكرة : لا تقل هذا للسلطان فإن من أبغض السلطان أبغضه اللَّه . وكان لا يدين « 2 » بالاستعراض ، ويحرّم خروج النساء ، ويقول : لا نقاتل إلّا من قاتلنا ولا نجبي إلّا من حمينا . وكانت البثجاء ، امرأة من بني يربوع ، تحرّض على ابن زياد وتذكر تجبّره وسوء سيرته ، وكانت من المجتهدات ، فذكرها ابن زياد ، فقال لها أبو بلال : إنّ التقيّة لا بأس بها فتغيبي فإنّ هذا الجبّار قد ذكرك . قالت : أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروها . فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها ، فمرّ بها أبو بلال في السوق فعضّ على لحيته وقال : أهذه أطيب نفسا بالموت منك يا مرداس ؟ ما ميتة أموتها أحبّ إليّ من ميتة البثجاء ! ومرّ أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ثمّ أفاق فتلا : سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ « 3 » . ثمّ إنّ ابن زياد ألحّ في طلب الخوارج فملأ منهم السجن وأخذ الناس

--> ( 1 ) . 130 - 128 . ssv ، 26 . naroC ( 2 ) . يجبر . R ( 3 ) . 50 . sv ، 14 inaroC